
افتتاحية القمة الافتراضية لمؤسسة UN Foundation حول أهداف التنمية المستدامة
13 أيلول 2023، نيويورك
يشرفني أن أكون جزءاً من هذه الجلسة التمهيدية لقمة أهداف التنمية المستدامة لعام 2023.
لقد منحتني السنوات الماضية من حياتي منظوراً جديداً.
مضى وقت طويل منذ آخر خطاب ألقيته وأرجو أن أكون اليوم قادرةً على تقديم بعض الفائدة لكم جميعاً.
على مدى ربع قرن، أدّت مؤسسة الأمم المتحدة United Nations Foundation دوراً استثنائياً في تعزيز عمل الأمم المتحدة، وقد أظهرتا قوة الوحدة في حل النزاعات وتحقيق التقدم في أحلك الأوقات.
لقد شهدت أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، التي وقّعت عليها جميع الدول الأعضاء الـ191 في الأمم المتحدة عام 2015، بعض التقدم. ووفقًا لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش استمرت معدلات الفقر المدقع ووفيات الأطفال في الانخفاض، كما تم تحقيق إنجازات في مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد. هذا وتحرز بعض الدول تقدماً في تحقيق أهداف المساواة بين الجنسين، كما ارتفعت مؤشرات الوصول إلى الكهرباء في العالم النامي، وتزايدت حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة. وعلى الصعيد العالمي، عاد معدل البطالة إلى مستويات ما قبل الأزمة المالية لعام 2008، كما تضاعفت نسبة المياه البحرية المحمية ضمن الولايات الوطنية أكثر من الضعف خلال خمس سنوات. وهنا أود أن أُشيد بشكل خاص بدور مؤسسة الأمم المتحدة UN Foundation في كل ما تحقق من إنجازات.
إلا أن الأمين العام يشير أيضاً إلى أن التقدم كان بطيئاً وهشاً، فقد أطلق تقريره الأخير ناقوس الخطر موضحاً أنه من بين نحو 140 هدفاً تتوفر بشأنها البيانات، هناك فقط ما يقارب 12% على المسار الصحيح؛ وأكثر من نصفها، على الرغم من تحقيق بعض التقدم، إلا أنها ما زالت متأخرة بدرجات متفاوتة؛ بينما شهد نحو 30% منها إما جموداً أو تراجعاً عن مستويات عام 2015. كما أشار تقرير الأمين العام إلى أنه وفق الاتجاهات الحالية، سيظل 575 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع بحلول عام 2030 ولن يتحقق هدف خفض مستويات الفقر الوطنية إلى النصف إلا في نحو ثلث الدول.
علاوة على ذلك، في عام 2015 كان هناك 589 مليون شخص يعانون من الجوع وقد ارتفع هذا العدد إلى 768 مليوناً بحلول عام 2021، هذا وتشير التوقعات إلى أنه بحلول عام 2030، سيظل نحو 670 مليون شخص يعانون من الجوع — أي ما يعادل 8% من سكان العالم، وهي النسبة نفسها تقريباً في عام 2015. ولا تزال أسعار الغذاء مرتفعة في عدد أكبر من الدول مقارنة بالفترة ما بين 2015 و2019.
كما أشار الأمين العام إلى أنه وفق معدلات التقدم الحالية، سيستغرق سد الفجوات بين الجنسين في الحماية القانونية وإلغاء القوانين التمييزية نحو 286 عاماً. أما في مجال التعليم، فإن آثار سنوات من ضعف الاستثمار وخسائر التعلم خلال جائحة كورونا تعني أنه بحلول عام 2030، سيبقى نحو 84 مليون طفل خارج المدرسة بينما سيغادر 300 مليون طفل أو شاب المدارس دون القدرة على القراءة والكتابة.
أما أخطر التحذيرات فتتعلق بتغير المناخ، إذ تشير التوقعات إلى أننا لن نتمكن من وقف إزالة الغابات قبل 25 عاماً أخرى، مع احتمال حدوث انقراض جماعي للأنواع. وستظل مصادر الطاقة المتجددة تلبي جزءاً محدوداً فقط من الاحتياجات العالمية (رغم أن الاتجاهات الأخيرة مشجعة مع انخفاض تكاليفها)، فيما تضيق الفرصة للحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة العالمية دون 1.5 درجة مئوية.
إنه من السهل أن نضيع في بحر من الأرقام، لكن خلف كل إحصائية هناك حياة إنسان أو مصدر رزق يستحق النضال من أجله. ونحن اليوم نناضل من أجل الأم في ليبيا التي تبحث بجنون عن طفلها بعد الفيضانات؛ ومن أجل الأب في مراكش الذي يحاول يائساً تأمين لقمة العيش بعد أن دمر الزلزال عمله، ومن أجل عائلة في السودان تحاول إطالة وجباتها ليوم إضافي؛ ومن أجل أطفال في فلسطين يخاطرون بحياتهم للعب في الخارج. ونناضل من أجل الفتاة المراهقة في أفغانستان التي لم تعد قادرة على الوصول إلى التعليم؛ ومن أجل الزوجين المسنين في أوكرانيا اللذين يواجهان شتاءً قاسياً آخر وسط القصف المستمر، كما نناضل من أجل الأبطال المجهولين الذين يعملون يومياً حول العالم، مخاطِرين بحياتهم نيابة عن الأمم المتحدة ومنظمات أخرى كثيرة للحفاظ على الأمل.
لقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة مؤخراً مجموعة العشرين إلى إظهار القيادة لإنقاذ أهداف التنمية المستدامة، كما طرح مجموعة من الإجراءات العملية لتحقيق فوائد فورية. وتهدف هذه الإجراءات إلى تسريع التقدم ودعم الاقتصادات النامية للاستثمار في التحولات الأساسية في مجالات الطاقة والغذاء والتحول الرقمي والتعليم والصحة والعمل اللائق والحماية الاجتماعية.
وتشمل الإجراءات التي طرحها الأمين العام: حزمة تحفيزية لأهداف التنمية المستدامة لا تقل عن 500 مليار دولار سنوياً؛ وآلية فعالة لمعالجة الديون لدعم تعليق المدفوعات، وإطالة أجل القروض، وخفض معدلات الفائدة بشروط أكثر عدالة للدول المتعثرة؛ وزيادة رأسمال بنوك التنمية متعددة الأطراف وتغيير نموذج أعمالها لتعزيز تعبئة التمويل الخاص بتكلفة معقولة. بالإضافة إلى إعادة توجيه أكثر فاعلية لحقوق السحب الخاصة غير المستخدمة لتعزيز السيولة حيث تشتد الحاجة؛ وتحويل الدعم من الوقود الأحفوري إلى استخدامات أكثر استدامة وإنتاجية.
ولكنه من الواضح أن مسؤولية التقدم لا تقع على عاتق الأمم المتحدة وحدها، ولا على الحكومات أو الشركات الكبرى فقط، بل تقع المسؤولية على عاتق كل واحد منا — وهذا في اعتقادي هو سبب وجودنا جميعاً هنا اليوم وإنني ممتنة للغاية لتواجدي بين هذا الجمع من الأشخاص المبدعين والمُلهمين.
أعلم، كما تعلمون جميعاً، أننا نجتمع في زمن يشهد توترات كبيرة، حيث يواجه عالمنا ضغوطاً اقتصادية وسياسية وتجارية عميقة، تتقاطع مع قوى تاريخية متجذرة ومع تزايد غير مسبوق في الانقسامات الاجتماعية وبين الأجيال. وحتى كوكبنا يبدو مرهقاً من قلة احترامنا له. وعلى الرغم من أن زيادة الترابط قد ساهمت في إزالة الحدود وجذب الانتباه لقضايا كانت تعتبر بعيدة مما سهّل مشاركة نماذج التعايش والتعاون، فقد ساهم ذلك أيضاً في تعميق الاستقطاب الفكري وتقليص مساحة الوسط وزيادة عدم التسامح مع الاختلاف، كما أُسيء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتسهيل التنمر والإساءة، مما يترك آثاراً طويلة الأمد على الشباب.
نحن نعيش في زمن يتصاعد فيه القلق والصراع؛ ومهما شعرنا أحياناً بالعجز فإن العالم يتطلع إلينا الآن لإيجاد الحلول.
وكما هو حالكم جميعاً، أحمل معي اليوم آمال وأحلام أطفالي والأجيال القادمة، وأعلم كما تعلمون، أن الأزمات التي نواجهها الآن لا يمكن السماح لها بالاستمرار. وحتى إن لم نكن نحن من أشعلها، فإن الوقوف على الجانب الصحيح من التاريخ يعني أن نكون نحن الجيل الذي يكسر هذه الحلقة ويضع البشرية وكوكبنا على مسار جديد.
إن خارطة الطريق موجودة فعلاً وقد أوضحت أهداف التنمية المستدامة ما ينبغي فعله. أما الجزء الأصعب فهو "كيف"، لكن كل من يشاركنا اليوم يقف بالفعل في طليعة التغيير المطلوب وأنا واثقة بأن لديكم من الأفكار والطاقة والإصرار ما يلزم لتحقيق ذلك.
قبل أن أترك المنصة للمتحدثين المميزين الذين ستستمعون إليهم، أود أن أختم كلمتي بكلمات حكيمة ومشجعة من رجل عظيم. رجل آمن إيماناً راسخاً بقدرات الشباب وثقة هائلة بالأمم المتحدة وقناعة صادقة بالأمين العام أنطونيو غوتيريش، الذي عيّنه شخصياً لقيادة مفوضية شؤون اللاجئين. رجل لم يتزعزع إيمانه بالبشرية ... الراحل كوفي عنان:
"أنتم لستم صغاراً على القيادة، ولا ينبغي لكم أبداً أن تشكوا في قدرتكم على الانتصار حيث لم أخفق الآخرون."
شكراً لكم.